محمد بن جرير الطبري

76

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

سورة التوبة مدنية وآياتها تسع وعشرون ومائة القول في تفسير السورة التي يذكر فيها التوبة . * ( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ئ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين ) * . يعني بقوله جل ثناؤه : براءة من الله ورسوله هذه براءة من الله ورسوله . فبراءة مرفوعة بمحذوف ، وهو هذه ، كما في قوله : سورة أنزلناها مرفوعة بمحذوف هو هذه ، ولو قال قائل : براءة مرفوعة بالعائد من ذكرها في قوله : إلى الذين عاهدتم وجعلها كالمعرفة ترفع ما بعدها ، إذ كانت قد صارت بصلتها وهي قوله : من الله ورسوله كالمعرفة ، وصار معنى الكلام : براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين كان مذهبا غير مدفوعة صحته ، وإن كان القول الأول أعجب إلي ، لان من شأن العرب أن يضمروا لكل معاين نكرة كان أو معرفة ذلك المعاين ، هذا وهذه ، فيقولون عند معاينتهم الشئ الحسن : حسن والله ، والقبيح : قبيح والله ، يريدون : هذا حسن والله ، وهذا قبيح والله فلذلك اخترت القول الأول . وقال : براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم والمعنى : إلى الذين عاهد رسول الله ( ص ) من المشركين لان العهود بين المسلمين والمشركين على عهد رسول الله ( ص ) لم يكن يتولى عقدها إلا رسول الله ( ص ) أو من يعقدها بأمره ، ولكنه خاطب المؤمنين بذلك لعلمهم بمعناه ، وأن عقود النبي ( ص ) على أمته كانت عقودهم ، لأنهم كانوا لكل أفعاله فيهم راضين ، ولعقوده عليهم مسلمين ، فصار عقده عليهم كعقودهم على أنفسهم ، فلذلك قال : إلى الذين عاهدتم من المشركين لما كان من عقد رسول الله ( ص ) وعهده .